برحيل الإعلامي محمد القدسي، تطوي الإمارات صفحة من صفحات ذاكرتها الإعلامية الأولى، وتودّع واحداً من الأصوات التي رافقت ميلاد الدولة منذ لحظاته الأولى، ليس بوصفه ناقلاً للخبر فحسب، بل شاهداً حيّاً على التأسيس، وموثّقاً لمرحلة صنعت تاريخ الوطن بالصوت والصورة.
الراحل، الذي غيّبه الموت يوم أمس الخميس، يُعد من روّاد الإعلام المرئي في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن أوائل الأسماء التي ارتبطت ببدايات "تلفزيون أبوظبي" منذ انطلاق بثه عام 1969، في مرحلة مفصلية سبقت قيام الاتحاد ومهّدت له إعلامياً ووثائقياً.
شاهد الاتحاد… وصوته الأول
يحمل سجل محمد القدسي محطة استثنائية لا ينازعه عليها أحد في تاريخ الإعلام الإماراتي؛ إذ كان "أول مذيع تلفزيوني ينقل إعلان قيام دولة الإمارات صوتياً"، في الثاني من ديسمبر عام 1971، من قصر الضيافة في دبي، عبر تلفزيون أبوظبي الذي كان المحطة الرسمية الوحيدة آنذاك.
وفي اللقطة التاريخية الشهيرة لرفع علم الدولة، ظهر القدسي واقفاً أسفل سارية العلم، قبل أن يخاطب شعب الإمارات بعبارات ما زالت حاضرة في الوجدان: "شعب الإمارات يعيش أفراح قيام دولة الإمارات العربية المتحدة"، و"مبروك لشعب الإمارات تحقيق حلم الأجداد"، لتصبح تلك الكلمات أول رسالة إعلامية حملت بشرى الاتحاد إلى البيوت.

من البدايات المتواضعة إلى ذاكرة وطن
قدم محمد القدسي إلى الإمارات شاباً في السادسة والعشرين من عمره عام 1969، ليكون من الجيل المؤسس لتلفزيون أبوظبي، وأحد أعمدته في الإعداد والتنسيق والإشراف على الأخبار. وعبر الشاشة، كان قريباً من معظم الأحداث المفصلية التي شهدتها الدولة في مراحل ما قبل الاتحاد وما بعده.
وعايش القدسي عن قرب الأجواء التي سبقت انسحاب بريطانيا من الخليج، وواكب اللقاء التاريخي الذي جمع المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في 18 يناير 1968، والذي أسفر عن "إعلان دبي" وتشكيل نواة الاتحاد.
رفيق المؤسس في أطول جولة
حظي القدسي بثقة خاصة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فكلفه بمرافقة القائد المؤسس في "أطول جولة داخلية" قام بها عام 1973، واستمرت 37 يوماً، لمتابعة المشروعات التنموية في مختلف إمارات الدولة، والاستماع مباشرة إلى المواطنين.
ولم تكن تلك الجولة مجرد مهمة إعلامية، بل تجربة إنسانية عميقة شكّلت وعي القدسي، ودفعته لاحقاً إلى توثيقها في كتابه "زايد.. ثالث العمرين"، وفاءً لقائد آمن بالإنسان قبل كل شيء.
"الشروق"… أول فيلم ملوّن عن الاتحاد
وبتكليف من ديوان الرئاسة، أنجز محمد القدسي أول فيلم وثائقي ملوّن عن قيام الاتحاد بعنوان "الشروق" عام 1974، بالتعاون مع خبراء ألمان، حيث جال بالكاميرا في إمارات الدولة، موثقاً المعالم والمشروعات وملامح دولة تولد من الصحراء إلى المستقبل، قبل أن يسافر إلى ألمانيا للإشراف على المونتاج وتسجيل التعليق الصوتي.
ونال الفيلم إعجاب الوالد المؤسس عند مشاهدته، ليكون باكورة مشروع توثيقي واسع أنجز خلاله القدسي نحو "380 فيلماً وثائقياً"، تناولت البيئة الإماراتية، وتشجير الصحراء، والمشروعات التنموية، والمؤتمرات والمهرجانات والمعارض، من خلال أعمال مثل "الغصن الأخضر" و"بلادنا الجميلة".
"بدايات"… عودة إلى الجذور
وفي عام 2007، عاد القدسي إلى الشاشة ببرنامج "بدايات"، ليستعيد قصص أوائل الوافدين الذين أسهموا في بناء الدولة، مقدّماً نفسه نموذجاً لمن عاش التأسيس من الميدان لا من خلف المكاتب.
وداع صوت لا يُنسى
شُيّع جثمان الراحل بعد صلاة العصر، ووري الثرى في مقبرة بني ياس بأبوظبي، بحضور عدد من محبيه وزملائه، فيما استعاد الوسط الإعلامي الإماراتي سيرة رجل لم يكن مجرد مذيع، بل "ذاكرة حيّة" حملت الحلم منذ كان فكرة، وبثّته حين صار دولة.
برحيل محمد القدسي، تفقد الإمارات واحداً من أصواتها الأولى، غير أن صوته سيبقى محفوراً في الذاكرة الوطنية، شاهداً على زمن التأسيس، ورسالة وفاء لجيل آمن بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تصنع تاريخاً.