ترسو مئات ناقلات النفط على جانبي مضيق هرمز، في مشهد يعكس شللاً شبه كامل لأحد أهم شرايين الطاقة في العالم، بعد أن فرضت إيران حصاراً فعلياً رداً على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.

ومع ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة فتح طريق الشحن "بطريقة أو بأخرى"، لكن خبراء عسكريين واستراتيجيين يرون أن هذا الهدف يظل بالغ الصعوبة دون اتفاق سياسي مع طهران، أو الدخول في عملية عسكرية معقدة وطويلة الأمد.

الجغرافيا تحسم المعركة

وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فإن المعضلة الأساسية تكمن في الجغرافيا؛ فالمضيق ضيق وضحل، ما يُجبر السفن على المرور بالقرب من السواحل الإيرانية الجبلية. هذه البيئة تمنح إيران أفضلية واضحة في استخدام تكتيكات الحرب غير المتكافئة، حيث يمكن نشر أسلحة صغيرة ومتنقلة يصعب رصدها أو تدميرها بالكامل.

وقد استثمرت طهران لسنوات في استغلال هذه الطبيعة، عبر إخفاء منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة في الكهوف والأنفاق وعلى امتداد الساحل، ما يجعل أي محاولة لتحييدها بالكامل مهمة شبه مستحيلة.

هذا القرب الجغرافي يترك للسفن وقتاً محدوداً جداً للاستجابة عند التعرض لهجوم. فالفارق بين اكتشاف التهديد والقدرة على التعامل معه قد لا يتجاوز دقائق، وهو ما يزيد من هشاشة الملاحة في المضيق حتى في ظل وجود حماية عسكرية.

ورغم تنفيذ آلاف الضربات الأمريكية والإسرائيلية على مواقع عسكرية إيرانية منذ اندلاع المواجهة، إلا أن التهديد لم يتراجع بشكل حاسم. ويعود ذلك إلى طبيعة القدرات الإيرانية القائمة على الانتشار والمرونة، حيث يمكن نقل منصات الصواريخ بسهولة وإعادة نشرها بسرعة، ما يعقّد عملية استهدافها.

حلول عسكرية محدودة

أحد أكبر التحديات يتمثل في الألغام البحرية، التي تُعد سلاحاً فعالاً منخفض التكلفة وعالي التأثير. فمجرد الاشتباه بوجود ألغام في المياه كفيل بإغلاق المضيق فعلياً، لأن أي قوة بحرية لن تخاطر بسفنها في ممر قد يكون ملغوماً.

كما أن عمليات إزالة الألغام بطيئة وخطيرة، وقد تستغرق أسابيع، وتتطلب حماية جوية وبحرية مستمرة، ما يزيد من تعقيد المشهد العسكري.

طرح خيار مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق كحل مؤقت، لكنه بدوره يحمل تحديات كبيرة. فتنفيذ مثل هذه العمليات يتطلب نشر مدمرات وكاسحات ألغام وطائرات استطلاع، لتأمين عدد محدود من السفن في كل مرة. ومع ذلك، تبقى هذه السفن عرضة لهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، خاصة أن أنظمة الدفاع البحري ليست مصممة بالأساس للتعامل مع هذا النوع من التهديدات القريبة والمتعددة.

أما الخيار البري، فيتضمن نشر قوات المارينز لتنفيذ عمليات محدودة، مثل السيطرة على جزر استراتيجية أو إقامة أنظمة دفاع جوي لحماية القوافل.

لكن هذا السيناريو ينطوي على مخاطر كبيرة، خاصة في حال وقوع خسائر بشرية أو أسر جنود، ما قد يغير الحسابات السياسية ويحد من الاستمرار في التصعيد.

حتى في حال نجاح عملية عسكرية واسعة، يبقى العامل الأهم هو الثقة. فشركات الشحن والتأمين لن تستأنف العمل في المضيق إلا إذا اقتنعت بأن المخاطر انخفضت إلى مستوى مقبول. حالياً، تقف مئات الناقلات في الخليج دون حركة، رغم الحاجة العالمية الملحة للطاقة، وهو ما يعكس عمق القلق في الأسواق.

كما أن تأمين المرور لا يقتصر على المضيق نفسه، إذ امتدت الهجمات إلى مناطق أخرى مثل خليج عمان، ما يعني أن الحماية يجب أن تستمر لمسافات أطول، وهو عبء إضافي على القوات العسكرية.

في المحصلة، تشير التقديرات إلى أن أي حل عسكري لن يكون كافياً لإعادة الوضع إلى طبيعته بشكل كامل. فطالما بقي التهديد الإيراني قائماً، ستظل حركة الملاحة مقيدة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر. لذلك، يبدو أن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل مستقر وآمن تتطلب بالدرجة الأولى حلاً دبلوماسياً وسياسياً، يعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارتها عسكرياً.