كشفت مجلة "نيو لاينز" الأمريكية، في تقرير، عن ما وصفته بحملة اعتقالات وترحيل طالت مئات الباكستانيين من الإمارات، غالبيتهم من أبناء الطائفة الشيعية، على خلفية التوترات الإقليمية التي أعقبت الحرب الإيرانية، وسط شهادات متطابقة عن احتجازات مفاجئة، وغياب التهم الرسمية، وترحيل سريع ترك عائلات بأكملها في حالة صدمة وارتباك.

وبحسب التقرير، فإن عدداً من الباكستانيين المقيمين في الإمارات أفادوا بأنهم اعتُقلوا من أماكن عملهم أو من الشارع، ونُقلوا بين عدة مراكز احتجاز قبل ترحيلهم خلال أيام، من دون توجيه اتهامات واضحة أو منحهم فرصة تسوية أوضاعهم المالية أو حتى جمع متعلقاتهم الشخصية.

اعتقال بلا تهم

ونقلت المجلة عن سارة علي (اسم مستعار لزوجة أحد المرحلين) قولها إن زوجها "طه"، الذي عمل لأكثر من عشر سنوات في هيئة الطرق والمواصلات بدبي، اعتُقل في 12 أبريل أثناء نوبة عمله الليلية، بعد أن ظهر اسمه وصورته في نظام الشرطة. وقالت إن ضباطاً يعرفونه شخصياً أبدوا دهشتهم من قرار احتجازه قبل أن يسلموه إلى عناصر من إدارة التحريات والمباحث الجنائية.

وأضافت أن زوجها نُقل مكبل اليدين بين عدة مراكز، من بينها مركز شرطة جبل علي، قبل أن ينتهي به المطاف في مركز احتجاز العوير، المعروف بأنه آخر محطة قبل الترحيل. وأكدت أن السلطات لم توجه له أي تهمة رسمية، فيما ظلت الأسرة تتلقى "إجابات غامضة" بشأن مصيره، قبل أن يُرحّل خلال أقل من أسبوع إلى فيصل آباد، رغم أن بلدته الأصلية تبعد ساعات عنها.

وقالت سارة للمجلة إن زوجها لم يكن ناشطاً سياسياً أو دينياً، وإنه أغلق حساباته على مواقع التواصل قبل أشهر، مضيفة أن التلميح الوحيد الذي تلقته الأسرة من أحد الضباط كان احتمال صلة القضية بمحتوى مرتبط بالصراع الإقليمي، وهو ما نفته بشكل قاطع.

وتشير نيو لاينز إلى أن هذه الواقعة ليست معزولة، بل تتكرر في شهادات عدة لمواطنين باكستانيين قالوا إنهم اعتُقلوا أو رُحّلوا في ظروف مماثلة، مع تركّز ملحوظ بين أبناء الطائفة الشيعية.

ونقلت المجلة عن رجل دين شيعي بارز في باكستان، محمد أمين شهيدي، قوله إن الإمارات بدأت، عقب الحرب الإيرانية، "حملة منظمة" استهدفت الشيعة الباكستانيين، مقدّراً عدد العائلات المتضررة بنحو خمسة آلاف عائلة، أي ما يقارب 15 ألف شخص. وقال إن كثيرين أُعيدوا إلى باكستان "بالملابس التي كانوا يرتدونها فقط"، من دون السماح لهم بسحب أموالهم أو تصفية ممتلكاتهم.

كما أورد التقرير شهادة متخصص في تكنولوجيا المعلومات، يبلغ من العمر 25 عاماً، قال إنه رُحّل من دبي رغم أنه ليس شيعياً، مرجحاً أن سبب الاشتباه به يعود إلى زيارته مجلساً شيعياً خلال شهر محرم برفقة صديق. وأوضح أنه استُدعي إلى مركز شرطة بعد اتصال من جهة عمله، ثم احتُجز لساعات وصودرت متعلقاته، قبل نقله ليلاً في مركبة مصفحة إلى مركز آخر.

ترهيب المعتقلين

وقال للمجلة إنه حاول معرفة سبب احتجازه، لكن المحتجزين الآخرين طلبوا منه خفض صوته خشية التعرض للعقاب، مضيفاً أن بعضهم كانوا يخشون الضرب. وذكر أن عشرات الأشخاص كانوا محتجزين معه، معظمهم باكستانيون، قبل نقلهم إلى العوير تمهيداً لترحيلهم.

وفي شهادة أخرى، قال زاهر خان، وهو سائق من منطقة جيلجيت بلتستان، إنه اعتُقل أثناء وجوده في "مول الإمارات" لإيداع مبلغ مالي، حيث أوقفه عناصر من المباحث، صادروا هاتفه وهويته، وطلبوا منه مرافقتهم من دون إبداء الأسباب. وأضاف أن الضباط سألوه أثناء الطريق إن كان شيعياً أم سنياً، وعندما أجاب بأنه شيعي، قيل له إن ذلك "يفسر كل شيء"، وفق روايته.

وتتطابق هذه الشهادات، بحسب المجلة، في وصف نمط متكرر يبدأ بالاحتجاز المفاجئ، ثم التنقل بين مراكز عدة، فالنقل إلى العوير، وأخيراً الترحيل على دفعات، أحياناً من دون السماح للمحتجزين بحمل أمتعتهم أو تبديل ملابسهم.

كما نقل التقرير مزاعم عن سوء معاملة داخل مراكز الاحتجاز، شملت الحرمان من الطعام الكافي، وإجبار محتجزين على البقاء في أوضاع مرهقة، وعمليات تفتيش مهينة، فيما وصف بعض المرحلين الظروف بأنها "مروعة". وقال قمر عباس، الذي عمل سائقاً في دبي 24 عاماً، إن المحتجزين كانوا يُوقظون كل أربع ساعات لتفقد الأسماء، بينما كانوا مقيدين ويُجبرون على إبقاء رؤوسهم منخفضة. وأضاف: "إذا كانت العلاقات بين الإمارات وباكستان سيئة، فما ذنبي أنا؟ وما ذنب أطفالي؟".

وربطت المجلة هذه التطورات بتوتر متصاعد في العلاقات بين أبوظبي وإسلام آباد، في ظل خلافات سياسية وأمنية أعقبت الحرب الإيرانية، إضافة إلى تشدد إماراتي معلن تجاه ما تصفه بتهديدات داخلية مرتبطة بإيران.

ورغم نفي متحدث باسم الخارجية الباكستانية وقوع عمليات ترحيل، تقول نيو لاينز إن الشهادات التي جمعتها من مرحلين وعائلاتهم ترسم صورة مغايرة، عنوانها الاعتقال الصامت، والاحتجاز من دون تهم، والعودة القسرية إلى باكستان بلا تفسير.