قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، اليوم الثلاثاء، إن المنافسة المتصاعدة بين السعودية والإمارات، والتي انفجرت خلال الأسابيع الأخيرة في جنوب اليمن، بدأت تُحدث تحولاً دراماتيكياً في ميزان القوى الإقليمي، مع امتداد تداعياتها إلى القرن الأفريقي ومحيط البحر الأحمر، ما يهدد بإرباك دول هشّة تشكّل ساحات نفوذ تقليدية لكلا البلدين.

وأضافت الصحيفة أن هذا التحول تجلّى عندما تدخّلت السعودية عسكرياً بعد سيطرة قوات انفصالية مدعومة من الإمارات على مساحات واسعة ومواقع استراتيجية في جنوب اليمن، حيث شنّت الرياض ضربات استهدفت تلك القوات، واعترضت شحنة قالت إنها إماراتية وتحتوي على أسلحة مخصّصة للجماعة، وهو ما أعقبه انسحاب إماراتي سريع، وحلّ المجلس القيادي للانفصاليين نفسه بشكل مفاجئ.

تمدد الخلاف

بحسب الصحيفة، لم يظل الخلاف محصوراً داخل الساحة اليمنية، إذ تشير معطيات دبلوماسية وأمنية إلى أن الرياض بدأت تحركاً منظماً لمواجهة شبكة النفوذ التي بنتها أبوظبي على مدى سنوات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وقال دبلوماسي سعودي إن هذا التوسع "يتعارض مع رؤية المملكة لهذه المناطق باعتبارها جزءاً من حزامها الأمني الاستراتيجي"، مؤكداً أن السعودية عازمة على إيصال خطوطها الحمراء بوضوح.

وفي هذا السياق، بدأت الرياض إعادة ترتيب تحالفاتها الإقليمية، من خلال محادثات مع مصر والصومال لتوسيع التعاون الأمني، وفق مسؤولين أمنيين صوماليين. وأعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية نيتها إلغاء اتفاقيات دفاعية مع الإمارات، التي تدير موانئ وقواعد عسكرية في مناطق عدة، من بينها أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند، حيث يظل نفوذ حكومة مقديشو محدوداً.

كما أظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية إعادة توجيه طائرات قادمة من الإمارات، قال محللون أمنيون إنها تُستخدم لنقل إمدادات إلى حلفاء أبوظبي في السودان وتشاد وليبيا، لتجنب الأجواء المصرية والسعودية والصومالية.

باب المندب

قال ليام كار، قائد فريق أفريقيا في مشروع "التهديدات الحرجة" التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز، إن التحول في موقفي السعودية والإمارات "هائل"، موضحاً أنه في أواخر ديسمبر كانت الإمارات وحلفاؤها في اليمن يقتربون من السيطرة على جانبي مضيق باب المندب، وهو ممر بحري حيوي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، قبل أن يؤدي التحرك السعودي الأخير إلى قلب المعادلة.

وأضاف كار أن تغير موازين القوى جعل المشهد يبدو وكأن السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي باتت تميل لصالح الرياض، بعد أن كانت أبوظبي في موقع متقدم خلال الأشهر الماضية.

شبكات النفوذ

قال الأكاديمي والسياسي عبدالله عبد الخالق إن السعوديين "ينظرون إلى الإمارات بوصفها التحدي الحقيقي الوحيد لقيادتهم في الخليج والإقليم"، مشيراً إلى أن استثمارات أبوظبي الواسعة في أفريقيا، والتي جعلتها أكبر مستثمر أجنبي في القارة عام 2022، عززت هذا التصور.

وفي اليمن، يوضح كريستيان كوتس أولريخسن، الزميل في معهد بيكر لدراسات الشرق الأوسط، أن تباين الاستراتيجيات بين البلدين كان جوهرياً، إذ سعت السعودية إلى الحفاظ على وحدة اليمن عبر دعم الحكومة المعترف بها دولياً، بينما ركزت الإمارات على مواجهة قوى الإسلام السياسي ودعمت فصائل انفصالية، وأسهمت في تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017.

وقال أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية دراسات الأمن بجامعة كينغز كوليدج لندن، إن الإمارات بنت شبكة نفوذ تعتمد على "محور من الكيانات المحلية المسلحة"، مستفيدة من الأدوات التجارية واللوجستية بدل العمل عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.

ووصف وزير الخارجية اليمني الأسبق خالد اليماني ما جرى بأنه "شرخ كامل" في العلاقة السعودية–الإماراتية داخل اليمن، مشيراً إلى أن الانسحاب الإماراتي السريع حمّل الرياض عبء إدارة المشهد منفردة.

وفي القرن الأفريقي، يمتد هذا التنافس إلى السودان، حيث قال جاستن لينش، المدير التنفيذي للأبحاث في شركة "كونفلكت إنسايتس جروب"، إن بعض الرحلات الجوية المرتبطة بالإمارات قدّمت دعماً لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، رغم تقارير عن العثور على أسلحة إماراتية ضمن مخزونات تلك القوات.

وفي ختام هذا المشهد المتوتر، قال بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والباحث المشارك في تشاتام هاوس، إن وضوح الخطوط الحمراء بين الأطراف "أمر ضروري"، لأنه يحدّد سقوف التدخل ويكشف الغايات طويلة المدى لكل طرف في هذا التنافس المتصاعد.