في حلقة جديدة وجريئة من برنامج بودكاست مدارك، استضاف البرنامج الدكتور محمد بن صقر الزعابي، وكيل النيابة الإماراتي السابق، حيث قدّم شهادة مطوّلة وصادمة عن واقع الحريات، والقضاء، والاعتقالات السياسية في الإمارات، متسائلًا: هل ما يُروَّج للإمارات كدولة تسامح وتعايش يعكس حقيقة ما يجري داخلها؟
استهل الدكتور الزعابي حديثه بالتوقف عند السردية الرسمية التي تروّج لها الدولة، والتي تُظهر الإمارات كـ"دولة سلام" تسعى للتعايش مع الجميع، حتى المختلفين دينيًا وسياسيًا، مشيرًا إلى أن إنشاء ما يسمى بـ"وزارة السعادة" لم يكن إلا جزءًا من هذه الصورة الدعائية.
غير أن هذه السردية لا تنعكس على الواقع الداخلي، حيث "ما يُقال يختلف جذريًا عمّا يُمارَس"، مشيرا إلى أن الإمارات في مرحلة التأسيس، خاصة في عهد الراحل الشيخ زايد، كانت تتمتع بسمعة مختلفة؛ دولة تمد يد العون، وتستقبل المظلومين، وتساند قضايا العرب والمسلمين، إلا أن هذه الصورة بدأت في التآكل بعد عام 2010، لتدخل الدولة "مرحلة مختلفة تمامًا".
عريضة الإصلاح 2011: بداية القطيعة
توقف الزعابي مطولًا عند عريضة الإصلاح الإماراتية عام 2011، التي وقّع عليها أكثر من 130 من نخبة المجتمع الإماراتي من أكاديميين ومثقفين وناشطين من مختلف التوجهات، قبل أن يتوسع عدد الموقعين لاحقًا إلى مئات المواطنين عبر الإنترنت.
العريضة طالبت بمجلس وطني منتخب كامل الصلاحيات التشريعية والرقابية، وقانون إعلام يحفظ حرية التعبير، وهي – كما يؤكد الزعابي – مطالب دستورية مشروعة، رُفعت بلغة محترمة إلى رئيس الدولة، دون تهديد أو دعوة للعنف.
في البداية، حظيت العريضة بتغطية رسمية إيجابية، إذ نشرتها صحيفة "الاتحاد" الحكومية في صفحتها الأولى، لكن سرعان ما تغيّر المشهد؛ حُذفت العريضة من المواقع، وبدأ التحريض الإعلامي ضد الموقعين عليها، لتدخل الدولة في مسار أمني تصاعدي.
حملة اعتقالات تحت تهمة "الإرهاب"
مع تصاعد الأحداث إقليميًا، وخصوصًا بعد الانقلاب في مصر، بدأت حملة اعتقالات واسعة داخل الإمارات. أُعلن حينها عن تفكيك "خلية إرهابية"، لكن الواقع – كما يروي الزعابي – كان صادمًا؛ إذ تبيّن أن المعتقلين مدنيون ودعاة إصلاح، ونشطاء حقوقيون، لا يحملون سلاحًا ولا ينتمون لأي تنظيم مسلح.
ومن بين المعتقلين شخصيات من أسر حاكمة، أبرزهم الشيخ سلطان بن كايد القاسمي، الذي وُضع في البداية قيد إقامة شبه جبرية قبل نقله لاحقًا إلى سجن في أبوظبي مع بقية المعتقلين.
القضاء تحت هيمنة الأمن
تطرق الزعابي إلى مسألة استقلال القضاء، مؤكدًا أن المشكلة ليست في قضاة أفراد، بل في البنية الكاملة للمنظومة القضائية، التي تخضع للسلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية.
وأوضح أن نيابة ومحكمة أمن الدولة تعملان تحت نفوذ مباشر لجهاز الأمن، لدرجة أن ضباط الأمن باتوا يستدعون القضاة ووكلاء النيابة للتحقيق معهم، ما يحوّل القضاء من سلطة مستقلة إلى أداة بيد الجهاز الأمني.
وأشار إلى أن الاعتقالات تتم دون أوامر قبض، والتفتيش ودون أذونات، والاحتجاز يمتد لسنوات في سجون سرية لا تخضع لأي رقابة قضائية، مع توثيق حالات تعذيب وانتهاكات جسيمة.
محاكمات سرية وملفات مفبركة
في قضية "الإمارات 94"، التي شملت دعاة الإصلاح، أكد الزعابي أن التهم – وعلى رأسها "محاولة الانقلاب" – كانت "ساذجة ومفبركة"، إذ لم يُضبط أي سلاح، ولم تُقدَّم أدلة حقيقية، ما اضطر السلطات إلى احتجاز المعتقلين لفترات طويلة لتجهيز "الأدلة".
وأضاف أن جلسات المحاكمة كانت سرية، حتى عن أهالي المعتقلين، رغم المطالبات المحلية والدولية بالعلنية، مشيرًا إلى أن هذا الإغلاق كان بسبب هشاشة الملف ووجود اعترافات منتزعة تحت التعذيب.
وأشار إلى أنه بعد انتهاء الأحكام، التي تراوحت بين 7 و10 سنوات، لم يُفرج عن المعتقلين، بل نُقلوا إلى ما يسمى "سجون المناصحة"، وهو شكل من أشكال الاعتقال الإداري المفتوح، بلا سقف زمني أو أساس قانوني واضح.
واعتبر الزعابي أن هذه السجون استُحدثت خصيصًا للالتفاف على القانون، ومنع الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وهو ما وصفته منظمات حقوقية دولية بأنه اعتقال تعسفي مستمر.
قصص مؤلمة خلف القضبان
وسرد الزعابي نماذج إنسانية صادمة، أبرزها قضية علياء عبد النور، التي اعتُقلت بسبب تبرعات إنسانية، وتوفيت لاحقًا بعد صراع مع السرطان، وهي مكبّلة في المستشفى، رغم توسلاتها فقط بمعاملة إنسانية.
كما تحدث عن أمينة العبدولي، المعتقلة منذ سنوات، والمحرومة من أطفالها الخمسة، في إطار سياسة"معاقبة الأسر بجريرة التعاطف أو التعبير الإنساني".
التعاون الأمني مع الاحتلال وقمع التضامن مع فلسطين
وكشف الزعابي عن تعاون أمني واسع مع شركات إسرائيلية، شمل أنظمة مراقبة وكاميرات منتشرة بكثافة في أبوظبي ودبي، إضافة إلى تقنيات تجسس معروفة.
وأكد أن هذا التعاون ترافق مع قمع أي شكل من أشكال التضامن مع فلسطين أو الثورات العربية.
أحكام غيابية ضد معارضين في الخارج
وتحدث الزعابي عن إصدار أحكام غيابية بحق معارضين إماراتيين في الخارج، بعضهم لا يمارس أي نشاط سياسي علني، وُضعت أسماؤهم على قوائم "الإرهاب"، في خطوة اعتبرها رسالة تخويف، ليس فقط للمعارضين، بل للمجتمع الدولي.
وأكد أن هذه الأحكام تفتقر لأي قيمة قانونية خارج الإمارات، لعدم تقديم أي أدلة للدول التي يقيم فيها المحكومون، معتبرًا أن هذه السياسات تعكس "ضعف الرواية الرسمية، لا قوتها".
"ما يجري ليس دليل قوة.. بل دليل خوف"
واختتم الدكتور محمد بن صقر الزعابي حديثه بالتأكيد على أن منع الأهالي من التواصل مع أبنائهم في الخارج، ومعاقبة الأسر، ومنع الآباء المسنين من الاتصال بأبنائهم، ليس إلا دليلًا على حالة خوف عميقة داخل النظام.
وقال: "الدولة التي تخاف من مكالمة بين أب وابنه، أو أم وولدها، ليست دولة واثقة، ما يجري ليس دليل قوة، بل دليل ضعف".
وأضاف قائلاً: "تحرم الأهالي في الداخل من أنهم يتواصلون مع أسرهم ومع أبنائهم مع آبائهم، وتعاقبهم في حال أنهم تواصلوا، وتستدعيهم للتحقيق هذا دليل أن روايتك ضعيفة وغير مصدقة والمطاردة حتى في أدق التفاصيل. حتى اتصال مع والدك اللي هو عمره تجاوز الـ 85 سنة لا يتركه يتواصل معك".
وتساءل قائلاً: "ما هو الخطر في النهاية؟ هذا دليل ضعف أنك أنت شخص مهزوز لا تثق حتى بأدواتك، وأنت في النهاية خايف حتى من كلام تواصل أب مع ابن أو غيره أو يعني أم مع ولدها أو طفل مع والده هذه كلها دليل على ضعفك، وعلى أنك أنت فقط تبقي الناس في خوف وفي ذعر من انهم يعبرون عن آرائهم أو حتى يقولون ما يشعرون به من هذه الممارسات السيئة".