تسببت الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط بين الولايات والمتحدة و"إسرائيل" وبين إيران، بخسائر فادحة للاقتصاد الإمارات، الذي يواجه أخطر صدمة اقتصادية منذ عقود، بحسب تقرير لصحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية.
واعتبرت الصحيفة أن هذه الخسائر تكشف عن نقاط ضعف كبيرة في نموذج الإمارات الاقتصادي، مشيرة إلى أن القيمة السوقية لبورصتي أبوظبي ودبي هوت بأكثر من 120 مليار دولار، في حين تم إلغاء أكثر من 18400 رحلة جوية.
وتعرض مؤشر دبي لأكبر قدر من الضرر، حيث انخفض بنسبة 16 في المائة منذ بدء الحرب في 28 فبراير، أي أكثر من ضعف الانخفاض الذي شهدته أبوظبي.
وقالت الصحيفة إن رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وولي عهد دبي، الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، حاولا إظهار وجه متفائل في مواجهة المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها الإمارات من خلال رحلات دعائية إلى دبي مول.
صعوبة التعافي
وتشير التحليلات التي جمعتها "ميدل إيست آي" من المعلومات المتاحة للجمهور إلى أن إنقاذ اقتصاد الإمارات في ظل أي سيناريو ما بعد الحرب سيتطلب جهوداً حثيثة وزيارات مكثفة إلى المركز التجاري.
فعلى عكس السعودية وسلطنة عمان، اللتين ارتفعت أسواق الأسهم فيهما على خلفية ارتفاع أسعار النفط، فقد تعرض النموذج الاقتصادي المعولم لدولة الإمارات، المبني على السياحة والعقارات والخدمات اللوجستية والتمويل، لضربة مباشرة وكشف عن هشاشة نموذج البلاد، بحسب الصحيفة.
وحتى اليوم الإثنين، أطلقت إيران 425 صاروخاً باليستياً و1941 طائرة بدون طيار و15 صاروخ كروز على الإمارات، مما جعلها الدولة الأكثر استهدافاً بعد حليفتها المقربة "إسرائيل". وأدت الهجمات لمقتل ما لا يقل عن 11 شخصاً وإصابة أكثر من 179 شخصاً من أكثر من 29 جنسية.
على الرغم من اعتراض معظمها، إلا أن الحطام تسبب في أضرار في أبوظبي ودبي، بما في ذلك برج العرب، ونخلة جميرا، ومطار دبي، والمنطقة الصناعية النفطية في الفجيرة.
قطاع العقارات
قالت الصحيفة إن "علامة دبي التجارية"، التي استخدمت لفترة طويلة لتصوير الإمارات على أنها شيء يتجاوز النفط، تلقت ضربة قوية بشكل خاص.
يُعد سوق العقارات، أحد أهم ركائز اقتصاد دبي، تحت ضغط شديد. وقد وصفت شركة سافيلز الاستشارية البريطانية دبي بأنها "واحدة من أكثر أسواق العقارات ديناميكية في العالم" في أواخر عام 2025، عندما تجاوزت قيمة المعاملات 147 مليار دولار، لكن هذا الزخم انعكس الآن بشكل حاد.
وبحلول نهاية مارس الجاري، انخفض مؤشر سوق العقارات في دبي بنسبة لا تقل عن 16%. ويقدر محللو غولدمان ساكس أن المعاملات انخفضت بنسبة 37% على أساس سنوي، بينما تراجعت المبيعات بأكثر من 50% مقارنة بشهر فبراير 2026.
وأفادت وكالة رويترز أن بعض العقارات تُباع الآن بخصومات تتراوح بين 10 و15 بالمائة من قبل أولئك الذين يسعون إلى الخروج السريع.
انخفضت أسهم شركات التطوير العقاري مثل شركة إعمار العقارية، التي تقف وراء برج خليفة، بأكثر من 25 بالمائة.
كما أدت الحرب إلى ظهور "مخاطر كبيرة" على النمو السكاني المستقبلي لدبي، وفقاً لـ "سيتي"، التي تتوقع الآن نمواً بنسبة 1% فقط هذا العام وحوالي 2% سنوياً حتى عام 2031، وهو أقل بكثير من الاتجاه الأخير البالغ 4%.
هل يتم التحريض على المقيمين الأجانب؟
ساهمت الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، في دفع نمو قطاع التجزئة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، حيث تمثل حوالي نصف مبيعات السلع الفاخرة في الشرق الأوسط، وفقاً لشركة مورغان ستانلي.
يعتمد هذا الطلب بشكل كبير على السياحة. فقد وصل أكثر من 20 مليون أجنبي إلى دبي في عام 2025.
على مدى عقدين من الزمن، سوّقت دبي وأبوظبي نفسيهما كقِبلتين للاستقرار في منطقة مضطربة، جاذبتين المستثمرين والسياح والمقيمين الأجانب على حد سواء. أما الآن، فقد بدأ هذا النموذج بالتداعي مع دخول الحرب شهرها الثاني.
تتزايد المؤشرات على تشديد الإجراءات ضد المقيمين الأجانب. وفي محاولة واضحة للسيطرة على الرواية، تشير التقارير إلى أن دبي اعتقلت ما لا يقل عن 70 مواطناً بريطانياً بتهمة تصوير هجمات إيرانية، وهي خطوة قد تُلحق مزيداً من الضرر بصورتها العالمية.
حذرت السلطات من أن مشاركة مثل هذه اللقطات قد تؤدي إلى غرامات تتجاوز مليون درهم (260 ألف دولار) وأحكام بالسجن تصل إلى 10 سنوات.
في الوقت نفسه، تعرض قطاع الطيران في الإمارات، وهو ركيزة أساسية لاقتصادها، لضربة مباشرة. فقد تضرر مطار دبي الدولي، أحد أكثر المطارات ازدحاماً في العالم، والذي يستقبل حوالي 95 مليون مسافر سنوياً، جراء الغارات الإيرانية، وأُغلق تماماً في الأول من مارس.
في يوم واحد، تم إلغاء أكثر من 3400 رحلة جوية في مطارات دبي، وآل مكتوم، وأبوظبي، والشارقة. علقت طيران الإمارات والاتحاد عملياتهما، ومن المتوقع أن تصل الخسائر إلى مليارات الدولارات.
كما انهارت حجوزات الفنادق، وانخفضت الأسعار بشكل كبير، وتشير التقارير إلى أن المغتربين الأثرياء دفعوا ما يصل إلى 250 ألف دولار مقابل رحلات إجلاء خاصة.
ولا تزال دبي تعتمد بشكل كبير على الزوار الأوروبيين، الذين يمثلون أكثر من 20 بالمائة من السياح، ومن غير المرجح الآن عودتهم في المدى القريب، بحسب ميدل إيست آي".