كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح خلال الأيام الأخيرة شرطًا مفاجئًا ضمن جهوده للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران، يتمثل في دعوة الدول العربية، إلى جانب باكستان وتركيا، إلى الترحيب بالاتفاق عبر إقامة علاقات دبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي والانضمام إلى "اتفاقيات التطبيع" السابقة.

وبحسب الصحيفة، أثار هذا الطرح استياء عدد من دول الخليج، التي ترى أن الحرب فرضت تكاليف باهظة على المنطقة وأثارت مخاوف أمنية لدى حلفاء واشنطن، ما انعكس سلبًا على طبيعة العلاقات الأمريكية مع شركائها الإقليميين.

ويرى محللون أن القادة العرب أصبحوا أكثر تشككًا تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل مخاوف من أن يؤدي التطبيع إلى استفزاز إيران بشكل أكبر، خاصة بعد أن أظهرت طهران قدرتها واستعدادها لاستهداف دول الخليج عبر آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وعلى الصعيد الشعبي، تشير الصحيفة إلى أن المجتمعات العربية باتت أقل تقبلًا لفكرة توثيق العلاقات مع "إسرائيل" مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، خصوصًا بعد الحرب في غزة، إذ ينظر كثيرون إلى "إسرائيل" باعتبارها دولة تسهم في زعزعة استقرار المنطقة بقدر لا يقل عن إيران.

وقال جون ألترمان، رئيس برنامج الجيوستراتيجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن: "الشعور السائد في الخليج لا يتعلق بحجم ما تدين به هذه الدول للولايات المتحدة، بل بحجم خيبة الأمل تجاهها".

وأضاف: "رغم أنهم لا يصرحون بذلك بشكل مباشر، فإنهم يشعرون بأن الولايات المتحدة أبدت حماسًا كبيرًا لحماية إسرائيل، بينما لم تُظهر الحماس نفسه لحمايتهم".

وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب أبلغ قادة السعودية وقطر وباكستان وتركيا، خلال اتصال هاتفي مشترك أجراه في 23 مايو، بأن الانضمام إلى "اتفاقيات التطيع" ينبغي أن يكون أمرًا "إلزاميًا" ضمن إطار الاتفاق الجاري التفاوض عليه مع إيران. وكانت هذه الاتفاقيات، التي أُبرمت عام 2020 خلال ولايته الأولى، قد أسفرت عن إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية رسمية بين الإمارات والبحرين و"إسرائيل".

وتُعد "اتفاقيات التطبيع" من أبرز إنجازات ترامب في السياسة الخارجية، وفقًا لما أوردته الصحيفة.

ولفت التقرير إلى أن الإمارات أعادت بالفعل تأكيد شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" خلال الحرب، بعدما تعرضت لأكثر من 2800 طائرة مسيّرة وصاروخ إيراني، وهو عدد يفوق ما تعرض له أي طرف آخر، بما في ذلك "إسرائيل".

كما مارس ترامب ضغوطًا على دول أخرى للسير في الاتجاه ذاته، معتبرًا أن الدول التي ترفض الانضمام إلى الاتفاقيات تُظهر "نوايا سيئة".

وكتب ترامب لاحقًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "يجب أن يبدأ الأمر بتوقيع السعودية وقطر فورًا، وعلى الجميع أن يحذوا حذوهما".

وترى الصحيفة أن إصرار ترامب على توسيع دائرة المنضمين إلى "اتفاقيات التطبيع" قد يزيد من تعقيد المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب.

فعلى الرغم من إعلان ترامب وقفًا لإطلاق النار في السابع من أبريل، فإن إيران لم توافق بعد على المطالب الأمريكية، وعلى رأسها التخلي الكامل عن امتلاك السلاح النووي وتسليم مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصب.

وفي مقابلة بثتها قناة فوكس نيوز يوم السبت مع لارا ترامب، قال الرئيس الأمريكي إن الإيرانيين "مفاوضون جيدون"، مؤكدًا أنه لا يستعجل التوصل إلى اتفاق، لأن "من يتصرف على عجل لن يبرم صفقة جيدة".

وبحسب التقرير، لا يُتوقع أن تستجيب السعودية وقطر وعدد من دول المنطقة لدعوة ترامب. وكانت بعض هذه الدول قد أبدت بالفعل اعتراضاتها خلال محادثات خاصة، فيما أكدت الرياض مرارًا أنها لن تنضم إلى الاتفاق ما لم يتضمن مسارًا واضحًا يقود إلى إقامة دولة فلسطينية.

أما قطر، التي لعبت دور الوسيط بين إسرائيل وحركة حماس في محاولة لإنهاء الحرب في غزة، فلا تعتزم الانضمام إلى "اتفاقيات أبراهام"، بحسب مسؤول قطري أكد أن أي تواصل مع "إسرائيل" في الوقت الراهن يجب أن يركز على حل القضية الفلسطينية.

وفي السياق ذاته، لم ترد وزارة الإعلام الكويتية على طلب للتعليق بشأن تصريحات ترامب. وتُعد الكويت من أكثر الدول العربية تمسكًا برفض التطبيع مع "إسرائيل"، كما تواصل تطبيق المقاطعة العربية التقليدية لها.

وصعّد ترامب ضغوطه يوم الأربعاء خلال اجتماع لمجلس الوزراء، مؤكدًا أن مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يواصلان إجراء محادثات مع قادة المنطقة بشأن التطبيع.

وقال ترامب: "سيكون ذلك إشارة عظيمة حقًا، وأعتقد أن هذه الدول مدينة لنا بذلك"، مضيفًا: "سيكون الأمر رائعًا للسعودية وقطر والكويت وللمنطقة بأسرها". كما لمح إلى احتمال الامتناع عن توقيع اتفاق مع إيران إذا لم تنضم دول أخرى إلى "اتفاقيات التطبيع".

وتشير الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة كانت تمتلك فرصة أفضل لدمج "إسرائيل" في المنطقة بعد قيادتها التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1991.

واستثمر واشنطن حينها حالة الامتنان التي سادت دول الخليج لعقد مؤتمر مدريد للسلام بهدف تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما أسفر لاحقًا عن حوار مباشر غير مسبوق مهّد لاتفاقيات "إسرائيل" مع الأردن ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن الظروف الحالية تختلف جذريًا عن تلك المرحلة.

وقال فراس مقصد من مؤسسة "يورواسيا غروب" إن ترامب يضغط على دول تعرضت لهجمات إيرانية مؤلمة لكي تدفع الآن ثمنًا سياسيًا عبر خطوات قد تُفسر على أنها استفزاز لإيران، التي خرجت من الحرب أكثر ثقة، ولا تزال تمثل تهديدًا لمضيق هرمز، شريان الحياة الاقتصادي لدول الخليج.

وأضاف أن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تعرضت لأضرار نتيجة الضربات الانتقامية التي استهدفت قواعد أمريكية ومنشآت مدنية، بما في ذلك المطارات والمناطق السكنية، مشيرًا إلى أن العديد من الحكومات الخليجية تخشى كذلك ردود الفعل الشعبية تجاه أي خطوة تطبيعية جديدة.

وقال مقصد، الذي زار السعودية وقطر والإمارات خلال مايو الماضي: "هذا الطرح لا ينسجم مع حسابات دول مجلس التعاون الخليجي، ولا أحد سيتحرك في هذا الاتجاه في ظل المناخ الحالي".

وتابع التقرير أن العديد من الدول العربية كانت تنظر سابقًا إلى "إسرائيل" باعتبارها شريكًا محتملًا في مواجهة إيران، كما شهدت السنوات الماضية تنسيقًا أمنيًا غير معلن بين بعض هذه الدول و"إسرائيل".

وكادت السعودية أن تُطبع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي عام 2023، قبل أن تؤدي أحداث السابع من أكتوبر والحرب التي تلتها في غزة إلى تغيير المشهد بالكامل.

كما تعاونت الرياض وعدد من الحكومات العربية الأخرى مع "إسرائيل" والولايات المتحدة في المجال الأمني، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية وبيانات الرصد الراداري وفتح المجال الجوي للطائرات الحربية، وفي بعض الحالات تقديم دعم عسكري مباشر لإسقاط الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

إلا أن العلاقات السياسية مع "إسرائيل" تراجعت في مختلف أنحاء المنطقة بعد الحرب في غزة والتصعيد العسكري مع إيران، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن استقرار الخليج اقتصاديًا وأمنيًا.

وبات كثيرون في المنطقة ينظرون إلى "إسرائيل" باعتبارها قوة مزعزعة للاستقرار، في ظل استمرار احتلالها أراضي في عدة دول عربية وتعثر الجهود الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية.

من جانبه، قال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية والقنصل العام السابق في القدس، إن دول الخليج وباكستان لن تقدم على التطبيع مع "إسرائيل" تحت الضغط، مشيرًا إلى أنها اعتادت على تصريحات ترامب التي تبدو أحيانًا غير منطقية أو تحمل طابعًا مهينًا.

وأضاف: "لقد وصلوا إلى مرحلة يعضّون فيها على أسنانهم ويحاولون الحفاظ على العلاقة دون تفجيرها"، وتابع: "الجميع سينتظر حتى تنقشع غبار الأزمة قبل الإقدام على أي خطوة أخرى قد تكون مثيرة للجدل أو مهددة للاستقرار".