سلّط تحقيق أجرته شبكة "سي بي سي نيوز" الكندية الضوء على مزاعم جديدة تربط أبوظبي بمسارات نقل أسلحة كندية الصنع ظهرت في بؤر نزاع تشهد صراعات مسلحة وانتهاكات حقوقية، بعدما تم رصد بنادق قنص متطورة في أيدي مقاتلين بالسودان وليبيا، إلى جانب عرضها للبيع من قبل تجار أسلحة في اليمن.
وبحسب التحقيق المرئي الذي نشرته الشبكة، فإن صوراً ومقاطع فيديو جرى التحقق منها حديثاً أظهرت بنادق قنص من طراز "إكس إل سي آر" (XLCR) المصنعة في كندا وهي تُستخدم من قبل عناصر في قوات الدعم السريع بالسودان، كما ظهرت لدى ميليشيات ليبية، بينما عُرضت نماذج منها بشكل علني عبر منصات التواصل الاجتماعي من قبل تجار أسلحة في العاصمة اليمنية صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وأشار التقرير إلى أن السودان وليبيا يخضعان لحظر تسليح دولي، فيما يواجه اليمن قيوداً وعقوبات تستهدف أطرافاً بعينها، ما يثير تساؤلات حول كيفية وصول هذه الأسلحة إلى مناطق النزاع رغم القيود المفروضة على تصديرها.
ونقلت الشبكة عن كيلسي غالاغر، الباحث في معهد "بروجكت بلاوشيرز" الكندي المتخصص في أبحاث السلام، قوله إن ظهور هذه الأسلحة في مناطق النزاعات يمثل دليلاً على استمرار عمليات التحويل غير المشروع للأسلحة الكندية، معتبراً أن الأمر يستدعي تدخلاً حكومياً وتحقيقاً أكثر جدية في مسارات تصديرها.
وكانت "سي بي سي نيوز" قد كشفت في تحقيق سابق نُشر أواخر العام الماضي عن رصد بنادق القنص ذاتها بحوزة عناصر من قوات الدعم السريع السودانية، وهي أسلحة تنتجها شركة "ستيرلينغ كروس" الكندية المتخصصة في تصنيع الأسلحة الخفيفة.
وأفادت الشبكة بأنها شاركت نتائج التحقيق الجديدة مع وزارة الخارجية الكندية ووزارة الشؤون العالمية، فيما أعربت وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند عن قلقها إزاء وصول أسلحة كندية إلى مناطق صراع تخضع لعقوبات وحظر تسليح.
وأكدت أناند أن السماح بوصول معدات عسكرية إلى مناطق مزقتها الحروب يعد أمراً غير مقبول، مشيرة إلى احتمال وجود مخالفات في منظومة منح تراخيص التصدير، وهو ما قد يستوجب تدخلاً من أجهزة إنفاذ القانون الكندية للتحقيق في كيفية انتقال هذه الأسلحة.
في المقابل، شددت وزارة الشؤون العالمية الكندية على أن أوتاوا ما تزال تلتزم بحظر تصدير الأسلحة إلى السودان، مؤكدة أن عمليات تقييم مخاطر الصادرات العسكرية لم تتضمن أي استثناءات تتعلق بهذه الوجهات.
مشاهد من السودان
ورصد التحقيق مقطع فيديو متداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر مقاتلاً من قوات الدعم السريع وهو يعتدي على محتجزين داخل شاحنة أثناء حمله بندقية قنص كندية الصنع.
ووفقاً لفريق التحقيقات المرئية في "سي بي سي نيوز"، تم التعرف على السلاح المستخدم في المقطع باعتباره بندقية "ستيرلينغ كروس إكس إل سي آر"، فيما أشار باحثون من منظمة "بيلينغكات" إلى أن الفيديو يُعد من أوضح الأدلة التي توثق استخدام أسلحة كندية في انتهاكات محتملة بحق محتجزين.
وتمكن الباحثون من تحديد الموقع الجغرافي للمقطع في منطقة جبل موية جنوب الخرطوم، وهي منطقة شهدت معارك عنيفة عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها خلال عام 2024.
كما أظهرت مواد أخرى تم التحقق منها تعرض محتجزين لمعاملة مهينة، من بينها إجبارهم على تقليد أصوات الحيوانات أو إعلان الولاء للقوات المسيطرة على المنطقة.
اليمن.. أسلحة معروضة للبيع
وفي اليمن، قادت سلسلة من المقاطع والصور التي حصلت عليها الشبكة الكندية إلى متجر أسلحة في صنعاء، حيث ظهر تجار يروّجون لبنادق القنص الكندية عبر حسابات على فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب.
ووثّق أحد المقاطع تاجر أسلحة يُدعى إبراهيم وهو يستخدم بندقية من الطراز نفسه خلال تجربة إطلاق نار غرب صنعاء، فيما تمكن فريق التحقيق من مطابقة موقع التصوير والتحقق من هوية السلاح من خلال الشعار الظاهر عليه.

وبحسب التقرير، أكد أحد التجار في رسالة صوتية أن البندقية بيعت مقابل 12 ألف دولار، واصفاً إياها بأنها "قطعة فريدة"، كما أقر بأن إدخالها إلى البلاد تم عبر التهريب.
كما توصل التحقيق إلى تاجر آخر في صنعاء عرض بندقية مماثلة للبيع، وأكد بدوره أنه سبق أن باع هذا النوع من الأسلحة، في حين عرض كلا التاجرين توفير أسلحة أخرى مصدرها الصين وروسيا والولايات المتحدة.
وأشارت الشبكة إلى أنها تمكنت من الحصول على الرقم التسلسلي لإحدى البنادق المعروضة في اليمن، وشاركته مع الشركة المصنعة والحكومة الكندية في محاولة لتتبع مسار السلاح، دون أن تتلقى رداً يوضح كيفية وصوله إلى السوق السوداء اليمنية.
خيوط تقود إلى ليبيا
وامتد التحقيق إلى ليبيا، حيث جرى تحديد مواقع صور أظهرت بنادق القنص الكندية نفسها لدى عناصر مرتبطة بفصائل مسلحة تنشط في العاصمة طرابلس.
وأوضح الباحث المتخصص في الشأن الليبي وولفرام لاشر أن الصور تعود إلى عناصر مرتبطة بجهاز الأمن القضائي، وهو تشكيل منشق عن "قوة الردع الخاصة"، إحدى أبرز الجماعات المسلحة النافذة في غرب ليبيا.
وأشار لاشر إلى أن هذه الجماعات شاركت في مواجهات مسلحة شهدتها طرابلس خلال السنوات الأخيرة، كما ارتبط اسمها بسجن معيتيقة الذي وُجهت بشأنه اتهامات تتعلق بالتعذيب والاحتجاز التعسفي والانتهاكات الحقوقية.

ولفت التقرير إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق قيادات مرتبطة بهذه التشكيلات على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
أبوظبي في دائرة الاتهام
وفي الجزء الأبرز من التحقيق، نقلت "سي بي سي نيوز" عن عدد من الخبراء والباحثين قولهم إن الإمارات تمثل الحلقة المشتركة التي تربط بين الحالات الثلاث في السودان واليمن وليبيا، نظراً لعلاقاتها وتحالفاتها مع أطراف فاعلة في هذه الساحات.
وقال الباحث وولفرام لاشر إن القاسم المشترك بين هذه الملفات يتمثل في الدعم الإماراتي لأطراف متحالفة معها في النزاعات الثلاثة، مضيفاً أن الإمارات ارتبط اسمها مراراً بعمليات تسليح واسعة النطاق في تلك الساحات.
من جهته، اعتبر عماد الدين بادي، الباحث في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، أن الجماعات المدعومة من الإمارات في هذه النزاعات تُعد أطرافاً مسلحة غير حكومية ولها سجل موثق من الانتهاكات الجسيمة.
وأشار التحقيق إلى أن الشبكة تواصلت مع السفارة الإماراتية للحصول على تعليق رسمي بشأن ما ورد في التقرير، لكنها لم تتلق أي رد.

كما ذكّرت الشبكة بأن الإمارات نفت في مناسبات سابقة أي تورط لها في النزاعين السوداني والليبي، وأكدت في وقت سابق سحب قواتها من اليمن.
وفي سياق متصل، أظهرت بيانات حكومية كندية أن 113 بندقية قنص من هذا الطراز تم تصديرها إلى الإمارات خلال عامي 2019 و2020، بينما نشرت الشركة المصنعة صوراً لدفعات من هذه البنادق أثناء تجهيزها للتسليم خلال الفترة نفسها.
وفي ختام التحقيق، نقلت "سي بي سي نيوز" عن كيلسي غالاغر، الباحث في معهد "بروجكت بلاوشيرز"، قوله إن شراء هذا النوع من منظومات الأسلحة لا يتم بصورة عشوائية، مشدداً على ضرورة تشديد الرقابة الكندية على صادرات السلاح ومسارات انتقالها.
وأضاف: "إن شراء هذه المنظومات من الأسلحة يتم لسبب ما"، محذراً من أن غياب الضوابط الصارمة سيؤدي إلى استمرار انتقال الأسلحة بصورة غير مشروعة إلى مناطق النزاعات، مؤكداً أن "الحكومة الكندية مطالبة بفرض رقابة أكثر صرامة، وإلا فإننا سنشهد انتشارها غير المشروع في المنطقة".