يُعد الإعلامي والشاعر الإماراتي من أصول عُمانية جمال الملا واحداً من أكثر الشخصيات الإعلامية إثارةً للجدل في الشارع الإماراتي والخليجي خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقل من الظهور كشاعر وإعلامي عُماني إلى واجهة المشهد الإعلامي الإماراتي، بالتزامن مع سلسلة من المواقف والتصريحات التي أثارت انتقادات واسعة، خصوصاً فيما يتعلق بسلطنة عُمان، وإيران، والقضية الفلسطينية، فضلاً عن تناوله ملفات سياسية وإقليمية حساسة.
فمن هو جمال الملا؟ وكيف كانت مسيرته؟ وما أبرز المواقف التي جعلته في دائرة الجدل؟
من هو جمال الملا؟
كان جمال الملا يظهر كشاعر وإعلامي من سلطنة عُمان، قبل أن يحصل على الجنسية الإماراتية مؤخراً، وهو واحد من الإعلاميين الذين استقطبتهم أبوظبي خلال السنوات والعقود الماضية من دول خليجية، ومنحتهم الجنسية للعمل في المجال الإعلامي، ومن أبرز العمانيين المجنسين أيضاً الإعلامي الرياضي يعقوب السعدي، وغيرهم الكثير.
ويعمل الشاعر جمال عبد الله الملا، المنحدر من ولاية شناص، في مؤسسة دبي للإعلام منذ عام 2011، حيث يشغل مهام شاعر وممثل ومقدم برامج في قناة "سما دبي".
وُلد الملا في يناير عام 1990، ونشأ وترعرع بين الحقول والبحر متنقلاً بين عدد من قرى ولاية شناص الواقعة على الساحل في أقصى شمال سلطنة عُمان.
وكان والده يعمل تاجراً قبل أن يتحول إلى الزراعة، فيما احترف جمال الملا كتابة الشعر منذ سن مبكرة، ويقول إنه كان يتطلع دائماً إلى كتابة "شعر لا يُصنف على أنه مضيعة للوقت".
ويعمل الملا حالياً مراسلاً تلفزيونياً في مؤسسة دبي للإعلام – قناة سما دبي. وسبق له المشاركة في مهرجان الشعر العُماني عام 2009، كما شارك في الملتقى الأدبي للشباب خلال الأعوام 2009 و2010 و2011، إلى جانب عدد من المشاركات الأدبية الأخرى. ويُعرف أيضاً بوصفه شاعراً وإعلامياً وصانع محتوى عمانياً.
النشاط الإعلامي وصناعة المحتوى
يقدم جمال الملا "بودكاست قصص" عبر "منصة عرب كاست"، الذي يستضيف شخصيات متنوعة قادت مشاريع ومؤسسات مختلفة، ويتناول قصص نجاح في دولة الإمارات من خلال مقابلات وحوارات حصرية.
كما ينشر عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي محتوى إعلامياً وإعلانات وتغطيات للفعاليات، ويبلغ عدد متابعيه على منصة "تيك توك" نحو 434.1 ألف متابع، فيما يتابع حسابه على "إنستغرام" نحو 198 ألف شخص.
أكاديمية الإعلام الجديد
يُعد الملا من خريجي "برنامج فارس المحتوى" الذي تقدمه "أكاديمية الإعلام الجديد" الإماراتية، التي تتخذ من دبي مقراً لها، وتهدف إلى تمكين الشباب الإماراتي من دخول المشهد الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وتأهيل جيل جديد لقيادة قطاع الإعلام والمحتوى الرقمي من خلال برامج متنوعة قائمة على أسس علمية وعملية، ولكن وفق أسس داعمة لسياسة الدولة وتوجهاتها.
كما تؤكد الأكاديمية أنها تعمل على إعداد الخبراء ومديري التواصل في القطاعين الحكومي والخاص، إلى جانب تدريب المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي بأساليب احترافية، وتوفير فرص وظيفية ومسارات مهنية، بما يجعلها داعماً أساسياً لمسيرة التنمية.
وتهدف الأكاديمية إلى إعداد جيل جديد من رواد العالم الرقمي عبر ثلاثة محاور رئيسية هي: التعليم، وتطوير المبدعين، وإنتاج المحتوى، كما تعرف عن نفيها على موقعها الإلكتروني.
أزمة هوية وولاء
من أبرز المواقف التي أثارت الجدل حول الإعلامي جمال الملا خلال الفترة الأخيرة، تعليقاته التي بثها عبر منصة "عرب كاست" الإماراتية، والتي تناولت المواقف العُمانية من أزمات المنطقة، ولا سيما ما يتعلق بالاعتداءات المنسوبة لإيران على منشآت في موانئ الدقم وصلالة وصحار.
وأثار الملا موجة واسعة من الجدل عندما كتب قائلاً: "على قولة الشاعر.. من كثر ما شفت بحياتي من أنذال.. بديت أشك أن النذالة فضيلة"، قبل أن يقوم لاحقاً بحذف التغريدة.
كما تضمنت إحدى حلقات البودكاست تساؤلات حول "صديق الخليجي"، مع إشارات اعتبرها البعض تلميحاً إلى أن سياسة الحياد والحكمة العُمانية قد تكون "طيبة زائدة" أو موضع شك.
ووجّه الملا كذلك انتقاداً مباشراً لوزارة الخارجية العُمانية بسبب عدم توجيهها اتهاماً مباشراً لإيران بالوقوف خلف الضربات التي استهدفت السلطنة، معتبراً أن هذا التجاهل "خلق فراغاً في الرأي العام وفتح باباً كبيراً للتأويل والتضليل".
واتهم ناشطون جمال الملا بالانقلاب على بلده من أجل تنفيذ أجندة إماراتية تقوم على التشكيك ببعض دول الجوار.
جائزة كتارا لشاعر الرسول
تُوج جمال بن عبد الله الملا بالجائزة الكبرى عن قصيدته "النبي" في مسابقة "كتارا لشاعر الرسول" عام 2016، وحصد جائزة مالية بلغت 300 ألف دولار، وكان حينها لا يزال يحمل الجنسية العُمانية ويعمل في بلده.
ويقول الملا عن فوزه بالجائزة إنه اجتهد في كتابة قصيدته للمشاركة في المسابقة، واستغرق إعداد النصوص نحو ستة أشهر، وبعد عمليات الفرز والتحكيم، وفي حضور جماهيري كبير، وقع الاختيار على قصيدته بوصفها أفضل قصيدة من بين أعمال 30 شاعراً مشاركاً.
السخرية من حملات المقاطعة
ومن بين مواقفه المثيرة للجدل أيضاً، سخريته من حملات مقاطعة المنتجات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، إذ تعرض لهجوم واسع بعدما اعتبر منتقدوه أن حديثه يقلل من شأن التضامن الشعبي مع قطاع غزة تجاه مجازر الإبادة التي تعرض ويتعرض لها أبناء القطاع.
وتساءل الملا، في معرض سخريته من حملة المقاطعة، عن الصواريخ الإيرانية، محاولاً – من وجهة نظره – إبراز الجهود الإغاثية والمستشفيات الميدانية التي تقيمها الإمارات في قطاع غزة.
وردّ عليه مغردون بالقول: "إن كان المحيط الذي أنتَ فيه لا يهتمّ بقضايا المسلمين (في إشارة للإمارات)، فليس بالضرورة أن يكون محيطُنا كمحيطِك، وطبيعي جداً أن يستنقص من المقاطعة من استنقص من الدين والمبدأ والأصل".
إعادة إحياء عبارة "العيال كبرت"
كما أثار الملا جدلاً واسعاً بعدما أعاد توظيف عبارة "العيال كبرت"، مستحضراً مقطع فيديو سابقاً للمفكر والسياسي الدكتور عبدالله النفيسي، كان قد استخدم فيه العبارة بهدف كشف حجم الإمارات الحقيقي وفضح أجنداتها الخبيثة وأدوارها التخريبية في المنطقة..
وقام الملا بقلب دلالة العبارة وتحويلها من هذا السياق إلى الترويج لأبوظبي، من خلال استعراض الإنجازات والأرقام القياسية التي حققتها الإمارات في مجالات عدة، مثل مضاعفة حجم الاقتصاد، وتصدر الصناديق السيادية عالمياً، والتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأثار هذا المحتوى تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بين مؤيد رأى فيه نجاحاً في تحويل الخطاب المضاد إلى رسالة إنجاز بما يخدم سياسة وتوجهات أبوظبي، ومعارض أعاد النقاش إلى الخلفية السياسية والسياق الذي قيلت فيه العبارة للمرة الأولى.
المطالبة بتعويضات خليجية من إيران
ومن بين القضايا التي أثارت الجدل أيضاً، طرح الملا ملف المطالبة بتعويضات خليجية من إيران، وذلك خلال إحدى حلقات بودكاست "قصص"، التي استضاف فيها المستشار القانوني الإماراتي حبيب الملا.
وتمحور النقاش حول كيفية توظيف أدوات القانون الدولي لتحميل طهران المسؤولية المالية عن الأضرار الأمنية والاقتصادية التي سببتها لدول الخليج، من خلال عدد من المحاور، أبرزها الأساس القانوني للمطالبة، وآليات التقاضي الدولي، والتوصيف القانوني للأعمال العدائية، وإنشاء لجنة لحصر الأضرار وتوثيقها، إضافة إلى مسؤولية تعويض الأفراد والشركات.
كما ناقشت الحلقة مدى قدرة الشركات التجارية المتضررة أو الأفراد على رفع دعاوى مستقلة نتيجة تعطل الملاحة البحرية والتجارة الإقليمية، وآلية تجميد الأصول الإيرانية ومصادرتها، مع التركيز على الحلول العملية الممكنة في حال رفض إيران الامتثال للقرارات الدولية، مستشهدين بنموذج التعويضات التاريخية التي فُرضت على العراق سابقاً.
وتمثلت الأفكار المطروحة في منح دول مجلس التعاون الخليجي الصلاحية القانونية لتجميد وحجز أصول وممتلكات الحكومة الإيرانية أو الكيانات التابعة لها الموجودة داخل الأراضي الخليجية، مع إمكانية تسييل هذه الأصول المجمدة مستقبلاً واقتطاع التعويضات المالية منها مباشرة لتعويض القطاعات المتضررة.
وأثارت هذه الأطروحات جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، نظراً لما اعتبره متابعون تناقضاً بينها وبين المسار الذي تتجه إليه العلاقات الرسمية والملف الإيراني.
وزاد من الجدل قيام إيران بخطوة مضادة عبر مندوبها لدى الأمم المتحدة، حيث طالبت بدورها بتعويضات من عدد من الدول العربية والخليجية، زاعمة استخدام أراضيها في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفتها، في حين وجه مسؤولون إيرانيون أصابع الاتهام إلى الإمارات مباشرة.
إضافة إلى ذلك، تحدثت وسائل إعلام غربية عن ضغوط مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زعماء خليجيين لتحمل جزء من تعويضات وإعادة إعمار إيران، فضلاً عن تقارير تحدثت عن إفراج الإمارات عن أصول إيرانية مجمدة مقابل وقف هجمات طهران على الإمارات، وهو ما اعتبره منتقدون متناقضاً كلياً مع ما طرحه الملا في إحدى حلقات بودكاست "قصص".