تشير تطورات متسارعة في الخليج العربي إلى تحوّل تدريجي في مواقف كلٍّ من الإمارات والسعودية، من الحذر والسعي لتجنّب الانخراط المباشر، إلى الاقتراب من المشاركة في المواجهة ضد إيران، مدفوعةً بتصاعد الهجمات التي طالت منشآتهما الحيوية وهددت استقرارهما الاقتصادي وأمن الطاقة في المنطقة.

خلال الأسابيع الأخيرة، كثّفت إيران هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهدافٍ داخل دول الخليج، شملت منشآت طاقة ومطارات وفنادق، في تصعيد غير مسبوق فرض واقعاً جديداً على صانعي القرار في الرياض وأبوظبي. وبعدما كانت الدولتان تحاولان النأي بنفسيهما عن المواجهة، بدا أن هذا الخيار لم يعد قابلاً للاستمرار، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.

في هذا السياق، وافقت السعودية على السماح للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة الملك فهد الجوية، في خطوة تعكس تحوّلاً عملياً في موقفها السابق، الذي كان يرفض استخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أي هجمات على إيران. ويأتي هذا التغيير بعد تعرض منشآت الطاقة السعودية والعاصمة الرياض لهجمات مباشرة، ما دفع القيادة السعودية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية.

وتشير تقديرات إلى أن ولي العهد محمد بن سلمان بات أقرب إلى اتخاذ قرار بالانخراط في العمليات العسكرية، مع تصاعد القناعة بأن الردع لا يمكن استعادته دون خطوات أكثر صرامة. وقد عبّر وزير الخارجية فيصل بن فرحان عن هذا التوجّه بقوله إن صبر بلاده "ليس بلا حدود"، محذراً من أن الاعتقاد بعجز دول الخليج عن الرد يمثل "سوء تقدير".

ضغوط اقتصادية وتحركات ميدانية متسارعة

بالتوازي مع التحركات العسكرية، بدأت الإمارات باتخاذ إجراءات اقتصادية تستهدف تقليص نفوذ إيران المالي، عبر تشديد القيود على الأصول المرتبطة بإيرانيين داخل أراضيها، وهي خطوة تهدد أحد أهم الشرايين المالية لطهران.

وشملت هذه الإجراءات إغلاق مؤسسات يُعتقد بارتباطها بالنظام الإيراني، من بينها مستشفى ونادٍ في دبي، ضمن مساعٍ لقطع قنوات يُشتبه في استخدامها لخدمة أجندات تتعارض مع القوانين المحلية. ومن شأن هذه الخطوات أن تحدّ من قدرة إيران على الوصول إلى العملات الأجنبية وشبكات التجارة، في وقت يعاني فيه اقتصادها من ضغوط العقوبات والتضخم.

ورغم أن دول الخليج أعلنت رسمياً عدم مشاركتها في الهجمات، فإن معطيات ميدانية تشير إلى واقع أكثر تعقيداً، إذ أظهرت مقاطع مصوّرة انطلاق بعض عمليات استهداف إيران من مواقع في البحرين، فيما تعرّضت قاعدة الأمير سلطان في السعودية لضربة إيرانية ألحقت أضراراً بطائرات أمريكية.

معضلة الانخراط ومخاطر المواجهة المفتوحة

تكشف هذه التطورات عن مأزق استراتيجي تواجهه دول الخليج، التي تجد نفسها مضطرة للتورط تدريجياً في صراع لم تكن ترغب في خوضه. فالدخول في مواجهة مباشرة مع إيران يعني التحول إلى طرف معلن في حرب مع قوة إقليمية كبرى، وما يحمله ذلك من مخاطر تصعيد واسع.

كما تخشى هذه الدول من سيناريو تراجع الدعم الأمريكي بشكل مفاجئ، ما قد يتركها في مواجهة مباشرة مع طهران دون غطاء كافٍ، إضافة إلى القلق من أن يكون انخراطها محدود التأثير في مسار الحرب.

في المقابل، تفرض إيران ضغوطاً إضافية عبر التلويح بالسيطرة على مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور، في خطوة تهدد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. وقد سبق أن استهدفت طهران حركة الملاحة في المضيق، ما يزيد من المخاوف بشأن أمن الإمدادات النفطية.

وتزامن هذا التصعيد مع هجمات طالت منشآت طاقة رئيسية في الإمارات وقطر والسعودية والكويت، ما عزّز شعور دول الخليج بأن الضمانات الأمنية التقليدية لم تعد كافية. كما أن الضربة الإسرائيلية لحقل "جنوب فارس" الإيراني، والتي جاءت رغم محاولات عربية لمنعها، كشفت محدودية تأثير هذه الدول على قرارات حلفائها.

في ضوء ذلك، تتزايد القناعة لدى قادة الخليج بضرورة اتخاذ خطوات أكثر حزماً، بما في ذلك احتمال توجيه ضربات مباشرة لإعادة ترسيخ الردع. إلا أن هذا الخيار يبقى محفوفاً بتعقيدات سياسية وعسكرية، في ظل توازنات دقيقة وتحالفات غير مستقرة.

وفي المحصلة، يبدو أن السعودية والإمارات تقفان على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من موقع المتلقي للهجمات إلى لاعبٍ أكثر انخراطاً في الصراع، وسط بيئة إقليمية متقلبة وخيارات محدودة، قد تفرض عليهما ما كانتا تحاولان تجنبه لسنوات.