دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة من الغموض الاستراتيجي بعد الإعلان المفاجئ لدولة الإمارات عن انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" وتحالف "أوبك+" اعتباراً من يوم الجمعة، الأول من مايو المقبل.
هذا القرار، الذي وصفه مراقبون بـ"الزلزال"، ينهي عضوية استمرت نحو 60 عاماً، حيث كانت أبوظبي خلالها ركيزة أساسية في استقرار المعروض العالمي. ويأتي هذا التحول في وقت حرج، حيث تعاني الأسواق من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في وصول أسعار برنت إلى مستويات تتجاوز 111 دولاراً للبرميل.
لماذا اختارت الإمارات المسار المنفرد الآن؟
لم يكن قرار الانسحاب وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لسنوات من الاحتقان المكتوم حول حصص الإنتاج التي فرضتها المنظمة بقيادة السعودية؛ فقد شعرت الإمارات أن قيود "أوبك" تكبل طموحاتها الاقتصادية، خاصة وأنها استثمرت مليارات الدولارات لرفع قدرتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027.
وزير الطاقة، سهيل المزروعي، صرح بوضوح أن القرار جاء بعد "دراسة متأنية لسياسات الإنتاج الحالية والمستقبلية"، مؤكداً أن بلاده تسعى للمرونة في الاستجابة لمتطلبات "عصر الطاقة الجديد".
علاوة على ذلك، لعبت العوامل الجيوسياسية دوراً حاسماً في تسريع هذا الانفصال، حيث أبدت أبوظبي إحباطاً متزايداً من ضعف الرد الإقليمي والعربي تجاه الهجمات الإيرانية المتكررة على بنيتها التحتية الطاقية وموانئها. واحباطاً من علاقتها المستمرة في التوتر مع السعودية الزعيم الفعلي لمنظمة أوبك.
وقال أجاي بارمار، المحلل في "آي سي آي إس": "لطالما كانت الإمارات على خلاف مع سياسة أوبك العامة لفترة طويلة؛ لذا، فالأمر ليس مفاجئاً، لكنه سيكون له بالتأكيد تأثير كبير على المدى الطويل. كما يشير إلى الانجراف العام في التحالف القوي تاريخياً بين الإمارات والسعودية".
وترى أبوظبي أنها لم تعد تجد في المظلة الأمنية والاقتصادية الجماعية لـ "أوبك" ما يكفي لحماية مصالحها الوطنية الحيوية وسط تصاعد الصراع في الخليج. مستشار الرئيس للشؤون الخارجية أنور قرقاش انتقد في منتدى "مؤثري الخليج" مواقف بعض الدول العربية في إشارة إلى السعودية قائلاً: "الدول العربية والخليجية لم تفعل ما يكفي لحماية الإمارات من الهجمات الإيرانية خلال النزاع الحالي".
وأثار ذلك تكهنات باحتمال تجميد الإمارات عضويتها في جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي. وجاء إعلان قرار الانسحاب من أوبك تزامناً مع اجتماع قادة مجلس التعاون الخليجي في جدة لمناقشة تداعيات الحرب الإيرانية.
وقال الأكاديمي والمحلل السياسي عبد الخالق عبد الله: "بعد مرور 40 يوماً من القصف، سيكون هناك الكثير من إعادة النظر. لقد عقدت اجتماعات بالفعل حول ما سيحدث لاحقاً". وأضاف: "ثمة تفكير عميق حول من وقف معنا حقاً ومن لم يفعل، إقليمياً وعالمياً، ونحن بحاجة حقيقية لتعزيز العلاقات مع أولئك الذين هبوا علانية لمساعدتنا".
وفي محاولة لتهدئة روع الأسواق، أكد المزروعي لـ "رويترز" أن الانسحاب لن يتسبب في اضطرابات فورية، حيث قال: "هذا القرار اتُخذ في وقت سيكون فيه أقل تأثيراً على الأسعار وعلى أصدقائنا في أوبك وأوبك+". ومع ذلك، فإن الرسالة الضمنية خلف هذا الخروج المفاجئ أن "الإمارات لم تعد مستعدة للتضحية بعوائدها المالية لخدمة استراتيجيات موازنة السوق التي تفرضها الرياض، وهي تفضل الآن مواءمة سياستها النفطية مع رؤيتها الاقتصادية المستقلة.

رئيس الدولة وولي العهد السعودي - أرشيفية
"عصر أوبك المتآكل": هل فقد الكارتيل أنيابه للأبد؟
يشكل خروج الإمارات ضربة قاصمة لجوهر قوة "أوبك"، حيث ستنخفض حصة المنظمة من الإنتاج العالمي إلى أقل من 30% لأول مرة في تاريخها، مما يضعف قدرتها التقليدية على التحكم في الأسعار. ويشير المحللون إلى أن فقدان العضو الثالث من حيث حجم الإنتاج يعني تآكل "القدرة الفائضة" التي كانت تميز الكارتيل وتمنحه نفوذاً عالمياً. وبحسب شاول كافونيك، رئيس أبحاث الطاقة في "MST Financial"، فإن هذا قد يمثل "بداية النهاية لأوبك".
أحد أبرز التداعيات هو فقدان المنظمة لواحد من أكثر أعضائها "التزاماً" تاريخياً، مما يضع السعودية في موقف حرج لموازنة السوق بمفردها. ويؤكد خورخي ليون، المحلل في "ريستاد إنيرجي"، أن الإمارات كانت، إلى جانب السعودية، العضو الوحيد الذي يمتلك قدرة فائضة حقيقية للتدخل السريع في الأزمات. وبدون هذا التعاون الثنائي، سيصبح الكارتيل هيكلاً أضعف وأقل قدرة على مواجهة تقلبات السوق الناتجة عن زيادة إنتاج دول خارج المنظمة مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل.
إضافة إلى ذلك، فإن خروج الإمارات يفتح الباب أمام دول أخرى لإعادة تقييم جدوى عضويتها، خاصة بعد انسحاب قطر وأنغولا وإكوادور في السنوات الأخيرة. ويرى الأكاديمي كولين مانغ أن الدول الأعضاء تميل لزيادة الإنتاج للاستفادة من الأسعار المرتفعة، وهو ما يتعارض مع فلسفة أوبك القائمة على خفض الإنتاج لرفع الأسعار. هذا التناقض البنيوي قد يؤدي إلى سلسلة من الانشقاقات المستقبلية التي قد تحول "أوبك" من صانع للأسعار إلى مجرد منتدى استشاري يفتقر للفعالية.
وقال فراس مقصد، مدير قسم الشرق الأوسط في مجموعة "أوراسيا": "لم تكن الإمارات راضية عن تقييد قدراتها، خاصة في الوقت الذي رغبت فيه بضخ المزيد من النفط، بينما أراد السعوديون ضخ كميات أقل". وأضاف: "تفاقمت بعض الخلافات السياسية بسبب تباين المواقف تجاه الحرب رداً على التهديد الإيراني، حيث ضاعفت الإمارات رهانها على الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما اتجه آخرون نحو التنويع والتحوط".

إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية
على الصعيد السياسي، ومثل انسحاب الإمارات انتصاراً لدونالد ترمب، الذي سبق واتهم المنظمة بـ "ابتزاز بقية العالم" من خلال رفع أسعار النفط اصطناعياً عبر تقييد الإنتاج. وكان ترمب قد أكد الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة ناقشت مد "طوق نجاة" مالي للإمارات، حيث يمكن للبنوك المركزية في البلدين الاتفاق على تبادل مبالغ متساوية من عملتيهما في حال تفاقم أزمة الشرق الأوسط.
أما الاحتلال الإسرائيلي فيعتبر الانسحاب الإماراتي فرصة لتعميق التعاون الأمني والطاقي مع الإمارات بما يتجاوز "اتفاقيات أبراهام". ومع إغلاق مضيق هرمز، تزداد أهمية بناء ممرات بديلة للطاقة والبنية التحتية، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يربط موانئ الإمارات بـ"إسرائيل" وصولاً إلى المتوسط. وقد بدأت بالفعل بوادر هذا التنسيق مع نشر بطاريات "القبة الحديدية" الإسرائيلية لحماية المنشآت الطاقية الإماراتية من الهجمات المسيرة.
وقال إيلان ليفينسون في صحيفة يديعوت أحرنوت إن "القطيعة بين أبوظبي والمنظمة النفطية التي تقودها السعودية تكشف عن تحول في النظام الخليجي"، مضيفاً أنها تمنح الاحتلال "فرصة لتعميق الروابط في مجالات الطاقة والأمن والتجارة مع الإمارات بما يتجاوز رمزية" اتفاقيات التطبيع سيئ السمعة المرفوض شعبياً.
أخيراً، يكشف القرار عن صدع عميق في العلاقات الإماراتية السعودية، حيث يتنافس القطبان الخليجيان الآن بوضوح على جذب الاستثمارات الأجنبية والنفوذ الإقليمي، فبينما تحاول الرياض الحفاظ على تماسك "أوبك" كأداة للقوة الناعمة، تراهن أبوظبي على "المرونة" وبناء تحالفات تكنولوجية وأمنية مستقلة. هذا التحول قد يعيد تعريف مفهوم "الأمن الجماعي" في الخليج، إذ لم يعد النفط هو الرابط الوحيد الذي يبقي دول المنطقة في خندق واحد.